مدينة الدرباسية

 

مدينة الدرباسيّة

عمر بكر

مدينةٌ عفيفةٌ بأهلها، خلابةٌ بمخطّطها الهندسي، تلاصق الحدود التركية من جهة الشمال فأصبحت الشطر الثاني لتوأمها في تركيا مدينة شنيورت، هكذا تسمّى حاليّاً وأصل اسمها أيضا الدرباسيّة، والدرباسيّة تبعد شمالاً عن مركز محافظة الحسكة ما يقارب /80 كم/ .                                                                                                                  مدينة تم تخطيطها وبناؤها في عهد الاحتلال الفرنسي بشكلٍ هندسيٍ متقن على شكل مربّعات الشطرنج بحيث يمكن للناظر أن يرى جميع الاتجاهات من أيّة زاوية كانت، وبعض المعالم الفرنسية موجودةٌ فيها حتى الآن كمستودعات مكتب الحبوب الحالية التي بُنيت عام /1943/ وغيرها من المعالم التي شيّدت في ذلك الزمان.

كان ذلك في شهر نيسان من عام /1931 ميلادي/ عندما أراد الاحتلال الفرنسي نقل مركز المدينة من قرية قرمانيه التي تبعد عن الدرباسيّة شرقاً حوالي /5كم/ إلى مركزها الجديد، لقد قام الكابتن قاسم الضابط في الجيش الفرنسيّ بشراء الأرض من كرمو نايف درباس- وهو كردي ويسكن حاليا أولاده في مدينة شنيورت – وسمّيت بالدرباسيّة نسبة إلى كنية صاحب الأرض (درباس).

قامت الحكومة الفرنسية ببناء ما يقارب /75/ حانوتاً من الطين، وبعد إتمام البناء تمّ الاتّفاق على يوم الانتقال إلى المدينة المشيّدة في الثامن عشر من تشرين الأول من نفس العام، ووزّعت الحوانيت على أصحابها بالقرعة، وكلّ حانوت بسعر إحدى عشرة ليرة ذهب ونصف، أمّا بيوت السكن، فكانت مساحة كل بيت 400 متر مربّع وسعره بقيمة الطابع الذي يلصق على وثيقة الطابو وهي ليرة واحدة، أمّا من ناحية الغرب تم تخطيط الأرض لزراعة الكرم، كلّ هكتار على حدة،وكان سعر الهكتار خمسةٌ وعشرون ليرة قيمة الطابع الذي يلصق على الطابو الممنوح للمشتري.

وبنيت في الدرباسيّة عام 1932 مدرسة بإدارة القسّ يوسف رزقو، وعُيّنت عطيّة جرجس قاووغ المعلمة الوحيدة والمسؤولة عن المدرسة، وفي عام 1934 بنى الأب يوسف رزقو وبمساعدة بعض التجار كنيسة مار جرجس للكاثوليك، وفي نفس العام شُيّد الجامع الكبير أيضاً، أما مئذنته فقد بنيت في الخمسينات من القرن الماضي، وكان إمام الجامع آنذاك الشيخ عبد الجليل السعدي.

عيّنت الحكومة الفرنسية نجيب غنيمة مديراً للناحية، والسيد سليم عبد النور رئيساً للبلديّة، وعباس جاويش خفراً للدركيّة وتم تعيين اسكندر كسبو للبريد، وكان أوّل من سكنها من المسيحيين، وبعضهم كان قد هرب من بطش النظام التركي عام 1915على إثر مذابح الأرمن والذين جاؤوا ساكنين قرى قرمانيه وتل أيلول والقرى الأخرى، فأراد الحكم الفرنسي أن يجمعهم  وبدون أخذ رأيهم على أساس حمايتهم في البلدة الجديدة، وشاطرهم الحياة المهاجرون من منطقة أومريا التابعة لولاية ماردين ومن مناطق أخرى، وكان معظم من يسكن البلدة في البداية إما للسعي من أجل لقمة العيش أو هرباً من الخلافات العشائرية  أو هاربين من (السفربرلك).

دبّت الحياة في المدينة الجميلة فأصبحت مركزاً للتسوّق والتسويق من القرى المجاورة، وأغلبية القاطنين فيها يعملون في الزراعة والقسم الأقل في التجارة والصناعة ومنهم الأيدي العاملة، واتسعت دائرة الدرباسيّة سنة بعد أخرى، فالمواسم ما عادت تبشر بالخير بعد جفاف وعوز سنة بنائها، وازدادت الهجرة إليها من القرى المجاورة.

والدرباسيّة مدينة هائمة على بركة من المياه الجوفية، فترى من حولها السنابل الذهبيّة تزيّنها من كل الجهات فتجعل الزراعة عصبها الاقتصادي الهامّ والرئيسي، لتكون من المدن الداعمة للاقتصاد الوطني، لكنّ سكانها ولسنوات طويلة عانوا من الفقر وقلّة الخدمات، والسبب في ذلك هو تطبيق القوانين الاستثنائية على هذه المدينة لغاياتٍ سياسية.

 

Related Posts

Comments are closed.