كوردستان تاريخ عريق و تراث خصب

الفلكلور الكردي

التراث و الفلكلور الكردي

يتضمن الفلكلور الكردي أحداثاً مهمة وشاملة لحياة الشعب الكردي السالفة عبر القصص الشعبية والاشعار الملحمية والامثال والحكم والاساطير والحكايات والطرائف والنكات، فهي تمثل صوراً شتى للحياة العامة في هذا المجتمع العريق بما في ذلك فنونهُ واحتفالاتهِ وسلوكهِ.
ولعل أول من أستخدم مصطلح الفلكلور هو عالم الدراسات الانكليزي وليام جون توماس في سنة 1846 ويرجع أصل هذا المصطلح الى أصلين سكسونيين هما: فولك: ومعناها الشعب ولور: اي الدراسة أو العلم. ويراد بهذا المصطلح الادب غير المكتوب لشعب من الشعوب كالاساطير والافكار الشعبية والحكم المتداولة وكل ما يعبر عن أحوالهم، كما يتخذه البعض مفهوماً شاملا للثقافة الشعبية ليدخل ضمنها الفنون والحرف الشعبية والطقوس الدينية والأحتفالات وكل ما يشير الى نفسية ذلك الشعب وسلوكه وخلقهِ وحياتهِ الاجتماعية والاقتصادية!
والغريب في الأمر أن كل الاشعار الفلكلورية والامثال والحكم والعديد من الملاحم الشعرية والغنائية في التراث والفلكلور الكردي لايعرف مصدرها الأصلي أو مؤلفها أو قائلها، رغم أنتشارها، لهذا فهي في المحصلة تعتبر من نتاج فكر الامة الكردية بأجمعها تناقلتها اجيالها جيلاًَ بعد جيل، ولأن هذا الموضوع شائك وطويل

فأننا سنتناول الفلكلور والتراث الكردي من هذه الزوايا حصراً:

الأقاصيص الشعبية:
يعتبر هذا النوع من التراث من روائع الادب الكردية، قد تكون مأساوية (تراجيدية) أو كوميدية أو تعبير عن البطولة أو حالة انسانية وطنية مثل أقصوصة (ممي الآن) (ومم وزين). وقد تكون مقتبسة من تراث شعوب أخرى مصاغة بلون جديد مثل قصة التي هي في الاصل قصة مجنون ليلى العربية.

عيد النوروز:
هو أهم الاعياد القومية فهذا العيد (اسطورة كان أو واقعاً) له علاقة بحدثين مهمين أولهما: فلكي يرتبطُ بيوم 21 آذار وهو يوم تعامد الشمس على منتصف الكرة الارضية (خط الاستواء) جالبة الاعتدال الربيعي الى نصف الكرة الشمالي الذي تقع فيه كردستان، والاعتدال الخريفي الى النصف الجنوبي حيث تتساوى فيه ساعات الليل والنهار وينقشع البرد والزمهرير، وتبدأ الزهور بالتفتح وتكتسي الطبيعة بلونها الاخضر والملون فهو عيد الربيع. والحدث الثاني يرتبط بثورة (كاوه الحداد) الرمز الذي حرر الشعب الكردي في التاريخ القديم من ظلم وطغيان الحاكم المستبد (الضحاك) فهو يوم يرمز للتحرر والانعتاق من السلطة الدكتاتورية الظالمة المستبدة، فهو عيد الحرية والتحرر، وهو بذلك يعبر عن تعطش الجماهير للحياة الجديدة السعيدة. ونوروز عيد لدى جميع الكرد دون إستثناء: ويمثل هذا اليوم (21 آذار) بداية رأس السنة الجديدة في التقويم الكردي وأبتداءً من عام 700 ق.م.
يشير العلامة المرحوم توفيق وهبي الى طقوس هذا العيد في القرون الماضية بما يلي: كان أهالي السليمانية يخرجون من المدينة صبيحة هذا العيد، ثم يلتئمُ شملهم في موضع الحفل، وهناك يتوجون أحدهم ملكاً أو يعينون لهُ حرساً وبطانة. ويمتطي الملك ظهر ثور، ويشق به الجموع الحاشدة تتبعهُ بطانتهُ نحو سرادق ضربت في الخيام، فيجلسُ المحتفلون في الدواوين وتنصب قدور الطعام. ويتنكر أفراد مخصصون ويلبسون جلود الغنم والماعز ليمثلوا الحيوانات الداجنة طوال فترة الاحتفالات التي تستمر ثلاثة ايام كاملة. وتكون طاعة الملك المتوج طاعة عمياء وله أن يفرض غرامات وأتاوات عن الناس حاضرهم وغائبهم، ويضل متمتعاً بلقب ( الباشا) الى مناسبة العيد التالي.

الأمثال والحكم والفكاهة:
الامثال والحكم اقوال مختصرة بليغة لها دلالات ومعان، ولكل من ابرز مافي التراث الكردي الامثال والحكم التي مثلت رافداً حيوياً من روافد الثقافة الكردية وهي تمثل حكم الاقدمين ونتاجاً شعبياً قديماً ومتوارثاً مأخوذاً من كلام الناس أو أحداثهم وتجاربهم الحياتية فهي ترمز لكل حالة او وضع أخلاقي أو اجتماعي او سياسي،أصبحت معه تمثل هوية أخلاقية وأجتماعية للشعب الكردي لانها نابعة أو ناتجة عن حدث أو معاناة أو صورة من صور هذا المجتمع:-
– قمم الجبال لاتلتقي، لكن العيون تلتقي. (عتاب للذي لا وفاء له)
– مسد القنفذ على اشواك فراخه فقال : كم هي ناعمة (دلالة للأعتزاز بالأبناء او بفعل الذات)
– إذا كان اللص من أهل البيت، فلا داعي لغلق الابواب. (واضح)
– ذو الفقار ليس لكل من يحمل اسم علي (اي ان المروءة والشجاعة ليست من سمات كل الرجال)
– هذا العجين يحتاج الى ماء كثير (للكلام الذي لامعنى له)
– عندما يصيح الديك في غير أوانه، يذبح. (مصدر للأزعاج).
– لو لم تمد يدك الى الموقد، لما أحترقت يدك( لاتقترب من المشكلة كي لا تتورط).
– إعط الخبز للكلب ولا تعطيهِ لناكر الجميل(واضح).
– فكاهة كردية: قالت امرأة مرة لابنها: بني الحمد لله لقد كبرت ولا داعي بعد اليوم لأن تنام بجانبي. فقال الأبن ببراءته: ياأمي لماذا اذن ينام والدي بجانبك هل هو صغير مثلي!
– سئل الربيع مرة: ماسبب قصر عمرك، فاجاب: لعنة الله على الجيران السيئين.

تقاليد كردية:
– ما أن تحصد- في موسم الحصاد- ملىء كف من سنابل الحنطة في حقل من الحقول حتى تقشر وتقدم لأول عابر سبيل غريب عن أهل المنطقة، وعلى هذا الغريب أن يقبل الهدية ويقدم للحاصد قطعة فضية أو ذهبية. ولا يعد هذا من سبيل الاستجداء مطلقاً فهي عادة قديمة ترمز الى مشاركة المسافر في فرحه أول ثمرات الارض. (هاملتون ص51).
– الاكراد لايغلطون او يتصايحون فيما بينهم عند الكلام، لكنهم معتادون على الصياح المفاجىء والصراخ. فأذا اراد كردي ان ينادي آخر، او يجذب أنتباههُ اليه صاح بأعلى صوته ((هو حه مه كه هو- بتطويل النداء- حه مه كه هو،هو، هو ووررا، ووررا)) فيجيبه المنادي بالصيحة نفسها، هكذا ينادي الكرد بعضهم بعضاً من تل الى تل (ريج 1820).

الرقص والاغاني الكردية:
الرقص او الدبكة الكردية ممارسة واسعة الانتشار في المناسبات والافراح، انواعها بالعشرات، فلكل منطقة او قبيلة رقصاتها الخاصة رغم تشابه بعض الحركات إلا أن لكل رقصة اسلوبها الخاص واسمها الخاص. لكن جميع الرقصات الفلكلورية الكردية تتطلب ادوات موسيقية شعبية تجعلها اكثر اثارة واصالة من الادوات الموسيقية المعاصرة، وكل ماتتطلبه الدبكة هو الطبل والمزمار وهي آلتان موسيقيتان تختلفان عما لدى الشعوب الاخرى في شكلها واصواتها. يسطف الراقصون في صف طويل مختلط، من الذكور والاناث، وقد يصدح احد المغنين ايضاً مع الموسيقى، وفي كثير من الحالات يمسك قائد السرب الراقص منديلاً زاهياً بيده يهزه مع نغمات الاغنية الراقصة، وتقام الرقصات الشعبية في المناسبات فقط، منها الزواج والختان وعيد نوروز وعند خروج الناس للتنزه، وفي حالات الولادة والمناسبات الوطنية. وقد اشار المرحوم محمد توفيق وردي الى ان هناك ثلاثين نوعاً من الدبكات الكردية، اسهلها واشهرها هي (اليسارية) أي تحرك الرتل الراقص نحو اليسار بايقاعات سهلة، وهناك دبكتان خاصتان بالفتيات الباكرات.
أما الغناء الكردي فهو اقدم انواع الفنون الفلكلورية، فهو من الفنون القديمة قدم الانسان في جبال كردستان. ولعل اغاني الرعاة هي الاقدم عمراً من اغاني سكان القرى الزراعية التي ظهرت فيما بعد. ويعتقد البعض بأن الاغنية او التراتيل الدينية هي الاقدم في المجتمع، مع ذلك فكل هذه الاغاني والتراتيل الشعبية كانت تعكس المشاعر والاحاسيس والعاطفة والحسرات بأختلاف المناسبات والتقاليد.

الالعاب الشعبية الكردية:
الالعاب الشعبية عديدة لا يمكن سردها بأجمعها هنا. فهي تمتد من المصارعة والالعاب الميدانية والالعاب المسلية الى العاب القدرات الذاتية الفذة، والعاب الذاكرة والنسيان والفروسية واطلاق النار والمحيبس وامثالها، ولعل اطرف الالعاب الشعبية الكردية هي مايعرف بلعبة (رفع الميت بأربعة اصابع): ملخصها: يشترك في هذه اللعبة خمسة لاعبين احدهم يحيل نفسه ميتاً ويمتد على الارض. اما الاربعة الآخرون فيتوزعون: اثنين على يمين الميت واثنين على يساره، ثم يبدأ احدهم بالهمس في اذن الثاني ويهمس الثاني بأذن الثالث وهكذا الرابع وعند الانتهاء من كلمة السر يضع كل واحد منهم اصبع السبابة تحت ظهر الميت ثم ينشد الاربعة:

واحد منا واثنان منهم
اثنان منا وثلاثة منهم
ثلاثة منا واربعة منهم
اربعة منا وخمسة منهم
لنذهب الى ملك الجان
لنقل له: لقد مات عندنا رجل نريد ان نرفعه الى اعلى. عندئذ يقوم الاربعة معاً بالصفير ويرفعون الميت بسهولة! لكن شريطة ان لا يرددو عبارة (بسم الله) وان لايضحكوا.
الاسماء الكردية:

هناك مسألة طريفة في بعض الاسماء الكردية في بعض مناطق كردستان، وهي ظاهرة ملفتة للنظرلغير الكردي، اذ تشيع هناك ظاهرة اختصار اسماء الاشخاص عند الكرد او استخدام الاختصار للتحبب، وان كان بعضها يختلف عن الاسم الاصلي، فـ (حمه) هو من (محمد) و (رمه) من (رمضان)، و(ره شه) من (رشيد) وهناك مختصرات مشابهة كـ (عبه) من (عبدالله و(بله) من (ابراهيم) و(خوله) من (محمود). و(مجه) من (مصطفى) و (ناله) من نادر و (قاله) من (قادر). وتشيع ايضاً مع الاسماء صفة النعوت مثل (احه رةش) اي احمد الاسود او الاسمر و (حمه شين) اي محمد ذو العينين الزرقاوين و (مجه بجكول) اي مصطفى الصغير.
والظاهرة الأخرى في الأسماء الكردية، وبخاصة في الريف، هو أن ينادى الطفل بأسمه مضافاً الى أسم أمهِ، مثلاً، أحمد بن فاطمة (ئةحةى فاتم)، وحسين بن بصيرة (حوسةى بةسى)، ومحمود بن خديجة (خولةى خةجى)، والسبب في ذلك هو سهولة تمييزهم بسبب وجود أكثر من طفل يحمل هذا الأسم وقد تكون أسماء آبائهم مكررة أو متشابهة أيضاً.
التصوف في كردستان:
كانت الحياة الصوفية ومذاهبها تحتل حيزاً رحباً من الحياة اليومية في كردستان، ففي كردستان تسود طريقتان صوفيتان رئيستان هما: القادرية والنقشبندية. اوجد الطريقة القادرية المولى الشهير الشيخ عبد القادر الكيلاني ( الجيلي) 1077- 1166 وظل سليل المؤسس يناط به منصب شيخ الطريقة وسادن الحضرة في بغداد وكانت الحكومة العثمانية تخلع عن هؤلاء بالتعاقب الوظيفي لقب (نقيب الاشراف) وتنتشر هذه الطريقة في مناطق عدة ابرزها السليمانية واربيل. وفي كردستان يطلق على اتباع الطريقة القادرية بأسم الدراويش. وكان من رجالاتها البارزين في السليمانية كاك احمد الشيخ والد الشيخ محمود الحفيد.
اما الطريقة النقشبندية فقد اوجدها محمد بهاء الدين البخاري 1317- 1389 وقد أنتشرت هذه الطريقة في الجزء الشمالي من كردستان وفي سوريا ومصر. ويطلق على مريدي هذه الطريقة اسم (الصوفية). وكان ابرز شيخ لهذه الطريقة في عام 1820 هو مولانا خالد النقشبندي، وفي عام 1921 كل من الشيخ علي حسام الدين ته ويله وشيخ علاء الدين بياره.
الملابس الكردية:
لباس الكردي فريد ومتنوع وخاص، هو نتاج البيئة الجبلية واعمالها الشاقة وطبيعتها الخلابة الزاهية. وهو فوق كل ذلك لباس مكلف مادياً، ومتعدد اللوازم والحاجات:
غطاء الرأس: يتكون من الطاقية او (الكلاو) او (التبلة) وهي قبعة صوفية قوية، ويلف حولها (الميزر) وهي عمامة تتألف من الطاقية يلف حولها قطع قماش مربعة (جامانة) او (مشكي) او (جفته) بحسب نوعها.
اما لباس الكردي فيتألف في العادة من قميص قطن ابيض ذي اردان طويلة وسروال (شروال) فضفاض وسترة تتقاطع من الامام فوق البطن ومطوية في السروال. ويلف الكردي حول خصره قطعة طويلة من القماش يبلغ طولها مابين 4-5 أمتار (الحزام) وعندما يلف يشغل المساحة الكائنة بين الخصر والبطن. كما يلبس فوق سترته معطفاً من اللباد الخشن ابان الطقس البارد، واللباس الكردي نوعان (الشال والشبك) او (الرانك والجوغة). ويختلف النوعان من حيث القماش المستخدم او الموديل او التفصال.
ولابد من الاشارة هنا، بشكل خاص، الى الحزام الكردي، فهو يستخدم في كل مناطق كردستان لكن طوله وشده يختلف من منطقة الى اخرى ومن قبيلة الى أخرى،
ولهذا الحزام ضمن البيئة الجبلية لكردستان فوائد شتى:
1- يشد من عضلات الظهر والبطن عند اداء الاعمال الصعبة والشاقة. وفي تسلق الجبال العالية.
2- يحمي الظهر والبطن من البرد.
3- يتحول الحزام في حالات معينة الى نقالة في حالة الاصابة بالحرب، او عند نقل الامتعة.
4- يحمل العتاد والخنجر.
5- فضلاً عن خاصيته الجمالية الجذابة وطابعه الكردي فهو مكمل للزي الكردي وجزء مهم منه والذي هو بطبيعته هوية قومية مميزة للكرد.

ملابس المرأة الكردية:
أما ملابس المرأة الكردية فهي ملابس زاهية مثل زهو البيئة الربيعية الجبلية لكردستان. وأبرز ما يميز هذا الزي هو الرداء الملون اللماع الفضفاض الطويل، والزخمة الذهبية، المحلاة بأقراص فضية أو ملونة، ثم السروال الطويل الذي تتناغم الوانهُ، في أطرافه السفلى، مع لون الرداء الفضفاض. والشائع هو أن تحتفظ المرأة مع زيها بغطاء مميز للرأس محلى بالحلي والمخشلات. ومن محاسن ومكملات زي المرأة الكردية هي الاكسسوارات الذهبية أو من الأحجار الكريمة والخرز التي تضفي لهيئتها رونقاً وبهاءً متميزين، كما في الصورة.
الحديث عن التراث والفلكلور الكردي حديث طويل لايمكن اختصاره لانه شامل لكل مناحي الحياة الكردية بحلوها ومرها، فهناك مجال للاحاجى والملاحم والادوية النباتية وتفسير الاحلام والحزورات واخلاقيات المائدة والطعام والتعامل مع المرأة والاطفال ومجال الديوان ( الديوه خانه). ان الفلكلور الكردي سجل حافل يعكس لنا الحياة الاجتماعية الاصيلة والسلوك المتزن المتــين لشرائح المجتمع الذي انجب كل هذا التـراث الناصع المجيد.

المقال مأخوذ من كوباني نتفلكلور كوردي

مقالات ذات صلة